صديق الحسيني القنوجي البخاري
162
أبجد العلوم
عن التحصيل ، لأنه لا يفي عمر الطالب بما كتب في صناعة واحدة إذا تجرد لها ، لأن ما صنفوه في الفقه مثلا من المتون والشروح لو التزمه طالب لا يتيسر له ، مع أنه يحتاج إلى تمييز طرق المتقدمين والمتأخرين ، وهي كلها متكررة والمعنى واحد . والمتعلم طالب والعمر ينقضي في واحد منها ، ولو اقتصروا على المسائل المذهبية فقط لكان الأمر دون ذلك ، ولكنه داء لا يرتفع . ومثله علم العربية أيضا في مثل ( كتاب سيبويه ) وما كتب عليه وطرق البصريين والكوفيين والأندلسيين ، وطرق المتأخرين مثل ابن الحاجب « 1 » وابن مالك « 2 » وجميع ما كتب في ذلك كيف يطالب به المتعلم وينقضي عمره دونه ولا يطمع الذي هو آلة من آلات ، ووسيلة فكيف تكون في المقصود الذي هو الثمرة ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ . فتح : وأما كثرة الاختصارات المؤلفة في العلوم فإنها مخلة بالتعليم ، فقد « 3 » « ذهب كثير من المتأخرين إلى اختصار الطرق والأنحاء في العلوم ، يولعون بها ويدونون منها برنامجا مختصرا في كل علم يشتمل على حصر مسائله وأدلتها باختصار في الألفاظ وحشو القليل منها بالمعاني الكثيرة من ذلك الفن ، وصار ذلك مخلا بالبلاغة وعسرا على الفهم . وربما عمدوا إلى الكتب الأمهات المطولة في الفنون للتفسير والبيان فاختصروها تقريبا للحفظ ، كما فعله ابن الحاجب في الفقه وأصول الفقه وابن مالك في العربية والخونجي « 4 » في المنطق وأمثالهم ، وهو فساد في التعليم وفيه إخلال بالتحصيل ، وذلك لأن فيه تخليطا على المبتدئ بإلقاء الغايات من العلم عليه وهو لم يستعد لقبولها بعد ، وهو من سوء التعليم . ثم فيه مع ذلك شغل كبير على المتعلم بتتبع ألفاظ الاختصار العويصة للفهم بتزاحم المعاني عليها وصعوبة استخراج المسائل من بينها ، لأن ألفاظ المختصرات تجدها لأجل ذلك صعبة عويصة فينقطع في فهمها حظ صالح من الوقت . ثم بعد ذلك فالملكة الحاصلة
--> ( 1 ) هو أبو عمرو جمال الدين عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الكردي الدويني الأصل الأسنائي المالكي المعروف بابن الحاجب المتوفى سنة 646 ه ( معجم المؤلفين : 2 / 366 ) . ( 2 ) هو جمال الدين أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن مالك الطائي الأندلسي الجياني ( نسبة إلى جيان بلد بالأندلس ) . نحوي ، لغوي ، مقرئ ، مشارك في الفقه والأصول والحديث وغيرها . توفي بدمشق سنة 672 ه ( معجم المؤلفين : 3 / 450 ) . ( 3 ) من هنا ينقل المؤلف عن ابن خلدون في مقدمته ( ص 617 ، 618 ) . ( 4 ) هو فضل الدين أبو عبد اللّه محمد بن ناماور بن عبد الملك الخونجي الشافعي المتوفى سنة 646 أو 649 ه ( معجم المؤلفين : 3 / 747 ) .